السيد محمد الصدر

382

منة المنان في الدفاع عن القرآن

وعلى ذلك فالاحتمالات الرئيسية كما يلي : أوّلًا : التعجُّب ، وهو أردأ الاحتمالات ؛ لأنَّ التعجُّب سيكون من الإدراك لا من النار الحامية ، كما هو مقتضى السياق ، وعلى تقدير تسليمه ، فيكون المراد وجود الإدراك لا نفيه ، ويكون التعجُّب من وجوده . ثانياً : النفي أو الاستفهام ، وعلى كلا التقديرين : إمّا أن يُراد به التهويل أو التحقيق . فإذا كان المراد به التهويل ، فقد ذكر الإدراك هنا بصفته طريقيّاً ( لأجل التوصّل إلى التهويل ) ، فتقلُّ أهمّيّة الاستفهام أو النفي ؛ لأنَّه سؤالٌ عن شيءٍ غير مهمٍّ ، وإنّما المهمُّ هو مركز التهويل ، وهو النار الحامية . وإن كان المراد به التحقيق - يعني : الاستفهام الحقيقي أو النفي الحقيقي - فهو احتمالٌ ضعيفٌ بطبيعة الحال ، وإن كان يمكن عرضه كأُطروحة ضعيفة . ثالثاً : أن يكون نفياً حقيقيّاً طرفه الأفراد العاديّين ، أي : إنّك في الدنيا لا تعلم ما في الآخرة ، أو أنَّه نفيٌ حقيقيٌّ طرفه النبي ( ص ) ؛ ولكن هذا غير مناسب معه ( ص ) لأنَّه مدينة العلم ، فتتعذَّر الدلالة المطابقيّة في حقِّه ، بل المراد العلم الاستقلالي عن إرادة الله تعالى وتعليمه وهدايته ، فيكون المراد النفي الحقيقيُّ للعلم الاستقلالي ، وهو صحيح . رابعاً : أن يكون استفهاماً حقيقيّاً ، ولكن مدخوله ليس هو النار الحامية ، وإنّما هو الإدراك ، أي : كيف علمت ما هي ؟ فإن قلتَ : إنَّ هذا تناقضٌ في نفسه ؛ لأنَّه خلاف قوله : نَارٌ حَامِيَةٌ فيتعيّن أن لا يكون السابق عليه استفهاماً حقيقيّاً .